محمد طاهر الكردي
172
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فحينما نزلت هذه الآية ، ونزلت بعدها سورة : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، عرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن حياته قد انتهت لم يبق منها إلا أيام قلائل ، وقد عرض بذلك في إحدى خطبه ، فقال : « إن عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر وقال : يا رسول اللّه فديناك بآبائنا وأمهاتنا » . فإذا كتب الموت على خير خلق اللّه سيد ولد آدم ، فمن نكون نحن ؟ اللهم اختم حياتنا بخير على ما تحبه وترضى ، على الإيمان الكامل وراحة تامة ونظافة كاملة بغير تعب ولا نصب بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين . كان ابتداء مرضه صلى اللّه عليه وسلم في أواخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت زوجته ميمونة ، واستمر مريضا ثلاثة عشر يوما كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه ، ولما اشتد عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت زوجته عائشة بنت أبي بكر فأذنّ له ، ولما دخل بيتها واشتد عليه الوجع ، قال : « هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلس صلى اللّه عليه وسلم وصب عليه الماء لتخفيف حرارة الحمى » . ولما تعذر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخروج إلى الصلاة ، قال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، ولما رأى الأنصار اشتداد وجع صلى اللّه عليه وسلم أطافوا بالمسجد ، فدخل العباس وأعلمه بمكانهم وإشفاقهم ، فخرج صلى اللّه عليه وسلم متوكئا على علي والفضل ، وتقدم العباس أمامهم والنبي معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر ، وثار الناس إليه فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : « أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم ، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث اللّه فأخلد فيكم ، ألا إني لا حق بربي وإنكم لاحقون بي ، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا ، وأوصي المهاجرين فيما بينهم . . . » إلى آخر خطبتة العظيمة صلى اللّه عليه وسلم . وبينما المسلمون في صلاة الفجر يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة يصلي بهم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ، إذا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قد كشف سجف حجرة عائشة رضي اللّه عنها فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم فنكص أبو بكر رضي اللّه عنه على عقبه ليصل الصف ، وظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهمّ المسلمون أن